ن - 1

نجوم المنتدي
إنضم
26 يونيو 2024
المشاركات
10,385
مستوى التفاعل
29,975
النقاط
43
المستوي
10
الرتب
10

أولاً: المقدمة — مشروعان نهضويان في مصر الحديثة​

تُعدّ مصر من أعرق الحضارات الإنسانية وأكثرها عطاءً عبر التاريخ، غير أن حضورها بوصفها دولةً ذات ثقل دولي قابل للمقارنة مع القوى الكبرى ظلّ حلمًا متقلّبًا يتجدد في لحظات استثنائية، ثم يُقطع قبل اكتماله. ومن أبرز هذه اللحظات في التاريخ الحديث، مرحلتان تستأثران باهتمام المؤرخين والمحللين السياسيين على حدٍّ سواء: عصر محمد علي باشا (1805–1848)، وعصر جمال عبد الناصر (1952–1970). ولا يكاد يجمع بين العصرين وجه شبه عرضي، بل تتراكب بينهما أوجه تشابه بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة المشروع، وأدواته، وأعدائه، ومآلاته.

كلا المشروعين نشأ في ظل احتلال أجنبي أو تبعية خارجية: مصر في مطلع القرن التاسع عشر كانت ترزح تحت الهيمنة العثمانية بعد أن دمّرتها الحملة الفرنسية وزعزعت بنيتها، أما مصر عام 1952 فكانت تعيش تحت النفوذ البريطاني الفعلي رغم الاستقلال الاسمي. وفي كلتا الحالتين، استدعى المشهد قائدًا يحمل مشروعًا للتحرر والنهضة معًا.

غير أن اللافت للنظر أن كلا المشروعين لم يُكتب له أن يبلغ أُكُله الكاملة، إذ اصطدم بتحالفات دولية وإقليمية أربكته أو أوقفته. وهذا ما يجعل السؤال المحوري حاضرًا بقوة: هل كانت القوى الكبرى قادرة بالفعل على الحيلولة دون قيام قوة مصرية مستقلة؟ وهل كانت العوامل الداخلية لا تقلّ أثرًا في إخفاق هذين المشروعين؟

تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة بمنهجية أكاديمية تجمع بين السرد التاريخي والتحليل الاستراتيجي المقارن، بعيدًا عن الانحياز القومي من جهة، والتقليل الغربي من قيمة هذه المشاريع من جهة أخرى.

ثانياً: مشروع محمد علي باشا — النهضة من الرماد​

1. مصر قبيل وصول محمد علي​

حين وطئت قدما محمد علي باشا أرض مصر عام 1801 ضابطًا ألبانيًا ضمن القوات العثمانية المرسلة لإخراج الفرنسيين، لم يكن يتوقع أن يصبح بعد أربع سنوات حاكم هذا البلد. كانت مصر في تلك الأيام تعاني حالة من الفوضى الاستثنائية: المماليك يتقاتلون على السلطة، والإدارة العثمانية فاسدة وعاجزة، والاقتصاد المحلي شبه منهك جراء الحروب المتعاقبة. وقد وصف المؤرخ خالد فهمي هذه المرحلة بأنها 'فراغ مؤسسي حاد' أتاح لشخصية طموحة كمحمد علي أن تملأه بخطاب النظام والإصلاح.

كانت مصر تخضع اسميًا للسيادة العثمانية، غير أن السيادة الفعلية كانت موزعة بين الحاميات العثمانية والبكوات المماليك والزعماء المحليين. وقد استغل محمد علي ذكاؤه السياسي النادر في تصفية المشهد السياسي تدريجيًا، حتى توّج مسيرته بمجزرة المماليك عام 1811 التي قضت على آخر منافسيه، وإن كانت هذه الحادثة تبقى الصفحة السوداء الأكثر إثارة للجدل في تاريخه.

2. بناء الدولة الحديثة — الجيش والصناعة والإدارة​

أدرك محمد علي أن أي مشروع سياسي بلا قوة عسكرية حديثة هو مشروع مكشوف الظهر. لذلك انصرف منذ وقت مبكر إلى إعادة بناء الجيش على النمط الأوروبي الحديث. وفي هذا الإطار استعان بالضابط الفرنسي كولونيل سيف، المعروف بسليمان باشا، الذي أسهم في إعادة هيكلة الجيش ووضع أسس مناهجه التدريبية. وبحلول العشرينيات من القرن التاسع عشر، كان محمد علي قد أنشأ جيشًا نظاميًا تجاوز في ذروته مئة وثمانين ألف جندي، وهو رقم لم تعهده مصر منذ عصور الفراعنة.

ولم يكتفِ بالتسليح الخارجي، بل أسس صناعات حربية محلية: مصانع لصهر الحديد والمدافع في بولاق والإسكندرية، ومصانع لإنتاج الذخيرة والملابس العسكرية. كما أنشأ أسطولًا بحريًا في الإسكندرية ضمّ في أوجه أكثر من مئة وخمسين سفينة حربية وتجارية، وهو ما جعل مصر بحرية الطابع لأول مرة في تاريخها الحديث. وقد رصد المؤرخ الفرنسي هنري لورنس هذا التحول بقوله إن محمد علي 'حوّل مصر من ولاية إلى دولة'.

أما على صعيد الاقتصاد، فقد أحكم محمد علي قبضته على الأرض الزراعية بتأميم فعلي لها، وأقام نظام الاحتكار الذي أتاح له تمويل مشاريعه الكبرى. كما أنشأ مدارس حديثة لتخريج أطباء ومهندسين ومترجمين، وأوفد بعثات تعليمية إلى فرنسا وإيطاليا وبريطانيا. وقد أسهمت مدرسة الطب التي أسسها كلوت بك في أبي زعبل في تأسيس بنية طبية غيّرت وجه الرعاية الصحية في مصر.

3. التوسع الإقليمي والمشروع الإمبراطوري​

لم تكن طموحات محمد علي محصورة في مصر. إذ أرسل جيوشه إلى الجزيرة العربية بين عامَي 1811 و1818 للقضاء على الحركة الوهابية الأولى بطلب من السلطان العثماني، ثم توجّه جنوبًا نحو السودان عام 1820 فضمّه إلى نفوذه وأسس مدينة الخرطوم. وفي عام 1824 أرسل نجله إبراهيم باشا إلى اليونان في حملة فشلت في نهايتها بتدخل أوروبي مباشر. وكان أعظم توسعاته وأكثرها تهديدًا للنظام الإقليمي حملته على الشام (1831–1840)، التي أوصلت قواته إلى أبواب الأناضول وكادت تُسقط الدولة العثمانية ذاتها.

تلك الحملة الشامية أثارت فزعًا أوروبيًا لم يكن متوقعًا. فقد تقدّم إبراهيم باشا بجيشه حتى دمشق ثم حمص ثم كوتاهية في عمق الأناضول، وهزم الجيش العثماني في معركتي قونية (1832) ونزيب (1839). وبات السلطان العثماني في وضع بالغ الهشاشة، وهو ما دفع روسيا إلى التدخل بموجب معاهدة هونكار إسكيلسي (1833) لحمايته، ثم دفع القوى الأوروبية الأخرى إلى التفكير في وضع حدٍّ لهذا المدّ المصري.

ثالثاً: لماذا حاربته القوى الإقليمية والدولية؟​

1. الأسباب الاستراتيجية للتدخل الأوروبي​

يستدعي فهم التدخل الأوروبي ضد مشروع محمد علي وضعَه في سياقه الجيوسياسي الصحيح. كانت أوروبا في تلك المرحلة تعيش هاجس توازن القوى الذي رسخته معاهدات فيينا عام 1815 إثر الهزيمة النهائية لنابليون. وكان أي تغيير جذري في خريطة القوة في الشرق الأوسط يُعدّ تهديدًا لهذا التوازن. وقد مثّلت قوة محمد علي المتصاعدة، بحسب ما يرى المؤرخ البريطاني آفنر أوفر، 'تحديًا مزدوجًا: للنظام العثماني الذي كانت بريطانيا وروسيا تتصارعان على نفوذه، وللمصالح التجارية الأوروبية في المنطقة'.

بريطانيا تحديدًا كانت تنظر إلى مصر القناة المائية الطبيعية الواصلة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وهو خط وريد تجارتها مع الهند. فمصر قوية ومستقلة كانت في نظرها تعني احتمال أن تنقلب عليها بدلًا من أن تكون ممرًا آمنًا. أما فرنسا، فعلى الرغم من كونها الأقرب إلى محمد علي ثقافيًا وتاريخيًا، إلا أنها وجدت نفسها تحت ضغط اللعبة الأوروبية الكبرى للالتزام بسياسة 'المسألة الشرقية' التي تقضي بالمحافظة على بقاء الدولة العثمانية.

أما روسيا القيصرية، فكان همّها الأكبر الوصول إلى المياه الدافئة والسيطرة على مضيق البوسفور. ومن ثمّ فإن أي قوة جديدة تُعيد رسم خريطة المنطقة كانت تثير قلقها. وقد تجلّى ذلك في موقفها المتناقض: دعمت العثمانيين في مواجهة محمد علي مرة، ثم انضمت إلى التحالف ضده مرة أخرى حين بات توسعه يتجاوز حدود ما يمكن استيعابه.

2. اتفاقية لندن 1840 وتحجيم المشروع المصري​

عام 1840 جرى توقيع اتفاقية لندن بين بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا والدولة العثمانية، مع إقصاء فرنسا المتعاطفة مع محمد علي. وأنذرت هذه الاتفاقية محمد علي بالانسحاب من الشام وجزيرة العرب أو مواجهة الحرب الأوروبية. وقد عزّزت البحرية البريطانية هذا الإنذار بضرب أعمال الساحل السوري، وتحريض السكان المحليين على الانتفاض ضد الجيش المصري. وفي نهاية المطاف اضطر محمد علي إلى القبول بتسوية خسر فيها كل مكاسبه خارج مصر، وأُلزم بتقليص جيشه إلى ثمانية عشر ألف جندي فقط، وهو رقم يُعادل مجرد عُشر ما كان عليه في ذروته.

ومع ذلك منحته الاتفاقية حق الحكم الوراثي على مصر وهو ما لم يكن أصلًا مضمونًا. وهنا يختلف المؤرخون: فبينما يرى البعض، كمحمد صبري السربوني، أن ما حصله محمد علي يمثل خسارة استراتيجية كبرى، يرى آخرون كخالد فهمي أن ما حققه من الاستقلالية الفعلية والوراثة لا يمكن الاستهانة به في ظل ميزان القوى السائد.

لقد كشف هذا التحجيم بوضوح أن القوى الكبرى لم تكن على استعداد لقبول قوة مصرية صاعدة تتجاوز حدودها الجغرافية. وفي هذا السياق يمكن قراءة ما جرى بوصفه نظامًا دوليًا يضع 'سقفًا' للقوى المتوسطة في المناطق الحساسة استراتيجيًا.

رابعاً: مشروع جمال عبد الناصر — الثورة والنهضة​

1. مصر قبيل ثورة يوليو 1952​

حين أطاحت حركة الضباط الأحرار بالملك فاروق في يوليو 1952، كانت مصر تعيش وضعًا بالغ التعقيد: ملكية دستورية هشة، ونفوذ بريطاني راسخ يتجلّى في قاعدة قناة السويس، ومجتمع يتصاعد فيه الوعي القومي مع البؤس الاقتصادي. كانت الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية في يد عائلات كبيرة لا تتجاوز ستة بالمئة من السكان، فيما كان الفلاحون يعيشون على هامش الفقر المدقع. وكانت الصناعة شبه معدومة في بلد يعتمد اقتصاده بالكامل تقريبًا على الزراعة القطنية.

كانت معاهدة عام 1936 مع بريطانيا لا تزال سارية، وتتيح لها إبقاء قواتها في منطقة القناة. وقد أضافت هزيمة 1948 أمام إسرائيل جرحًا نرجسيًا عميقًا في الوجدان الجمعي المصري والعربي، وزادت من إحساس الضباط الأحرار أن المنظومة القائمة عاجزة عن الدفاع عن الأمة. وفي هذا السياق نشأ مشروع عبد الناصر كردّ فعل على حالة الإذلال الوطني المزمنة.

2. بناء الدولة الناصرية​

تحرّك عبد الناصر على عدة مسارات متوازية؛ فعلى الصعيد السياسي، فرض نظامًا جمهوريًا مركزيًا أنهى التعددية الحزبية ووحّد مؤسسات الدولة تحت قيادة سياسية واحدة. وعلى الصعيد الاقتصادي، أطلق مشروعًا طموحًا للتصنيع الثقيل، جسّده إنشاء مجمع حلوان للصلب الذي دشّنه عام 1958، وبناء عشرات المصانع التي حوّلت مصر من دولة زراعية خالصة إلى دولة ذات قاعدة صناعية ناشئة.

وكان السد العالي قمة هذا المشروع التنموي وأيقونته. فقد أدرك عبد الناصر أن مصر الحديثة لا يمكن أن تبنى بلا طاقة كهربائية وفيرة ولا بلا تنظيم المياه. ولما رفضت الولايات المتحدة والبنك الدولي تمويل المشروع في يوليو 1956 بعد صفقة الأسلحة التشيكية، ردّ عبد الناصر بتأميم قناة السويس في الخامس والعشرين من يوليو 1956، في خطوة هزّت النظام الدولي وحوّلت مصر في ليلة واحدة إلى محور الاهتمام العالمي. وقد أسهمت عائدات القناة بعد التأميم إسهامًا كبيرًا في تمويل بناء السد الذي اكتمل في مرحلتيه عامَي 1964 و1970.

وعلى صعيد الجيش، استثمر عبد الناصر علاقاته مع الاتحاد السوفياتي لتحديث القوات المسلحة المصرية بعد أن وجد نفسه أمام حظر غربي على التسليح. وقد أبرم في سبتمبر 1955 صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية (السوفيتية في حقيقتها)، التي شكّلت نقطة تحوّل استراتيجية وأدخلت مصر في دائرة الحرب الباردة وإن أرادت البقاء خارجها.

3. المشروع الإقليمي والعروبة​

كانت عروبة عبد الناصر ليست مجرد خطاب بلاغي، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا يرى في مصر نواة العالم العربي ومحرّكه. وقد تجلّى ذلك في دعمه لحركات التحرر في الجزائر وليبيا واليمن والكونغو وغانا، وفي محاولة تحويل جامعة الدول العربية إلى أداة فاعلة للعمل المشترك. وكان أبرز تجليات المشروع الوحدوي الجمهورية العربية المتحدة التي أعلن قيامها مع سوريا في فبراير 1958، وإن انتهت هذه التجربة بانفصال عام 1961.

كذلك تبنّى عبد الناصر مشروع عدم الانحياز بالشراكة مع نهرو وتيتو وسوكارنو، مؤسسًا بذلك قطبًا ثالثًا في عالم ثنائي القطبية. وقد مثّل مؤتمر باندونغ عام 1955 ذروة هذا التوجه ولحظة بزوغ نجم عبد الناصر زعيمًا للعالم الثالث الناشئ.


1780518196003.png

خامساً: لماذا واجه عبد الناصر عداءً إقليمياً ودولياً؟​

1. الصراع مع بريطانيا وفرنسا​

لم يكن تأميم قناة السويس حدثًا اقتصاديًا فحسب، بل كان رسالة رمزية بالغة الدلالة وجّهها عبد الناصر إلى الحضور الاستعماري الأوروبي في المنطقة. وقد قرأته لندن وباريس بوصفه نذيرًا لمرحلة جديدة تتقوّض فيها سيطرتهما على منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد تفاقمت الأزمة بسبب دعم عبد الناصر لثورة الجزائر (1954–1962) التي كانت فرنسا تخوض ضدها حربًا شرسة، فبات عبد الناصر في نظر باريس عدوًا مباشرًا.

جاءت ردّة الفعل على شكل عدوان مشترك بريطاني-فرنسي-إسرائيلي في أكتوبر 1956، بعد أن دبّرت الدول الثلاث خطة سرية في مؤتمر سيفر. اجتاح الجيش الإسرائيلي سيناء بينما قصفت الطائرات البريطانية والفرنسية مطارات مصر وموانئها ودُمرت مدينة بورسعيد، في عملية عسكرية أثارت إدانة دولية واسعة، وأفضت في نهاية المطاف إلى انسحاب المعتدين تحت ضغط أمريكي وسوفيتي مشترك. وقد خرج عبد الناصر من هذه الأزمة بانتصار سياسي مدوّ، إذ انسحبت قوات الاحتلال رغم الهزيمة العسكرية، مما أضفى عليه هالة من الزعامة لا تُضاهى في الوجدان العربي.

2. الموقف الأمريكي والحرب الباردة​

كان الموقف الأمريكي من عبد الناصر يمثّل نموذجًا صارخًا للتذبذب الاستراتيجي. ففي البداية رأت إدارة أيزنهاور في عبد الناصر حليفًا محتملًا ضد المدّ الشيوعي في المنطقة، وأسهمت في الضغط لإخراج بريطانيا من قاعدة القناة. غير أن صفقة الأسلحة السوفيتية عام 1955 ودعم عبد الناصر لحركات التحرر الممولة جزئيًا من موسكو حوّلا الموقف الأمريكي من التسامح إلى العداء المحسوب.

استقرّت استراتيجية واشنطن بعد 1956 على سياسة احتواء دور عبد الناصر في المنطقة دون المواجهة المباشرة معه. وقد تجلّى ذلك في مبدأ أيزنهاور عام 1957 الذي عرض الحماية الأمريكية لأنظمة المنطقة في مواجهة التمدّد السوفيتي، ودفع في الوقت ذاته الأردن والسعودية والعراق إلى محور مضادّ لمحور القاهرة-دمشق-عدن. ويرى المؤرخ جيمس بّاور أن واشنطن كانت 'تلعب لعبة تعادل السلبيات': لا تريد انتصارًا ناصريًا كاملًا، لكنها لا تريد انهياره المفاجئ خشية أن يُفيد الشيوعيين.

3. الموقف الإسرائيلي والأنظمة العربية المحافظة​

كانت إسرائيل تنظر إلى المشروع الناصري بقلق بالغ لأسباب ليس أولها العسكري. فقد أدركت القيادة الإسرائيلية أن عبد الناصر يملك أدوات نفوذ ناعمة لم تملكها مصر من قبل: القومية العربية المتجذّرة، والقدرة على تعبئة الرأي العام العربي، وإمكانية تحويل الصراع العربي-الإسرائيلي من سلسلة حروب منفصلة إلى مواجهة عربية موحّدة. ومن ثمّ كان السعي إلى استنزاف القوة العسكرية المصرية قبل أن تنضج جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية خلال تلك الحقبة.

أما الأنظمة العربية المحافظة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والأردن، فقد وجدت في الزعم الناصري بأن القومية العربية تعلو على الانتماءات الأسرية والدينية تهديدًا وجوديًا مباشرًا. وكانت الحرب اليمنية (1962–1967) التي دعم فيها عبد الناصر الجمهوريين في مواجهة الملكيين المدعومين سعوديًا تمثّل أوضح نموذج لهذا الصراع على الهيمنة الإقليمية.

سادساً: المقارنة بين المشروعين — جدول التشابه والاختلاف​

1. أوجه التشابه البنيوية​

يقف المتأمل أمام قدر لافت من التشابه البنيوي بين المشروعين. فكلاهما نشأ من رحم أزمة سلطة: محمد علي من فراغ المماليك والعثمانيين، وعبد الناصر من إخفاق النظام الملكي. وكلاهما حوّل الجيش إلى ركيزة للدولة وأداة للتحديث وليس مجرد قوة دفاعية. وكلاهما وظّف الموارد الطبيعية المصرية (الزراعة والقناة) تمويلًا لمشاريع التحديث. وكلاهما سعى إلى توسيع الدائرة الجغرافية للنفوذ المصري. وكلاهما اصطدم في مرحلة ما بتحالفات دولية أجبرته على التراجع.

أما الاختلافات فلا تقلّ دلالةً. فمحمد علي لم يكن يحمل أيديولوجيا محددة سوى الطموح وبناء الدولة، بينما تبنّى عبد الناصر إيديولوجيا القومية العربية والاشتراكية مما أضفى على مشروعه بُعدًا استقطابيًا جعل له أعداء أكثر داخل المنطقة. كذلك عمل محمد علي في سياق ما قبل الإعلام الجماهيري، بينما استثمر عبد الناصر بعبقرية نادرة قوة الخطاب الإذاعي لبناء شعبية عابرة للحدود.

2. أدوات القوة والنفوذ​

قاس محمد علي قوته بعدد الجنود والسفن والمدافع وبسط السيطرة الإدارية على الأراضي المفتوحة. أما عبد الناصر فأضاف إلى هذه الأدوات التقليدية أدواتٍ جديدة: القوة الناعمة المتمثلة في الإذاعة والصحافة ودعم حركات التحرر، والشرعية الشعبية المستمدة من عدالة القضايا التي تبنّاها (تأميم القناة، مقاومة الاستعمار). وقد أعطته هذه الأدوات نفوذًا إقليميًا فاق حجم القوة العسكرية المصرية الفعلية.

3. أسباب التراجع والإخفاق​

على صعيد الإخفاقات، ثمة قاسم مشترك جوهري بين المشروعين: الاعتماد المفرط على شخصية القائد الفرد وغياب مؤسسات قادرة على الاستمرار بعده. فبعد مرض محمد علي وانحساره في آخر سنواته خبت جمرة المشروع سريعًا، وجاء خلفاؤه عاجزين عن الحفاظ على ما بنى. وبالمثل، لم تُنتج الناصرية مؤسسات سياسية حقيقية مستقلة عن الزعيم، فلمّا رحل عبد الناصر تباينت الرؤى حول ما يجب أن يكون عليه مساره.

ويُضيف المؤرخون النقديون سببًا آخر: الاستبداد. فقد أسهم غياب الحرية السياسية في إسكات الأصوات التي كانت يمكن أن تُصوّب الأخطاء الاستراتيجية. ولعلّ هزيمة يونيو 1967 كانت جزئيًا ثمرةً مُرّة لمنظومة معلوماتية مشوّهة يعيش فيها المسؤولون خوف التقصير في تلبية توقعات القائد أكثر مما يخشون الهزيمة ذاتها.

سابعاً: هل كانت الفترتان فرصة تاريخية استثنائية لمصر؟​

1. حجج المؤيدين​

يرى أصحاب هذه الأطروحة، ومنهم المؤرخ المصري يونان لبيب رزق، أن مشروع محمد علي كان يمتلك مقومات تحويل مصر إلى دولة متوسطية كبرى، مماثلة ربما لما أصبحت عليه الدولة العثمانية في أوجها، أو للدولة الفارسية في عصرها الساساني. كانت مصر تملك آنذاك جيشًا من الأكفأ في المنطقة، وأسطولًا بحريًا فاعلًا، ورقعة جغرافية تمتد من السودان إلى سوريا، وموارد زراعية وفيرة. ولو قُدّر لهذا المشروع أن يكتمل عشرين عامًا إضافية دون تدخل خارجي، لكان من الممكن أن تتكون طبقة صناعية وسطى مصرية قادرة على استيعاب التحديث.

أما فيما يخص الناصرية، فيعتقد المؤرخ محمد حسنين هيكل أن مصر كانت تملك في مطلع الستينيات مقومات أن تصبح قوة إقليمية فاعلة في أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعَين: كانت تملك الجيش الأقوى في المنطقة بعيد التسلّح السوفيتي، والكادر البشري الأوسع تعليمًا في العالم العربي، وشبكة علاقات دبلوماسية استثنائية مع عشرات الدول المستقلة حديثًا. ولو لم تأتِ هزيمة يونيو 1967 لكانت مصر قادرة على تكريس دورها بوصفها قوة 'وسيطة' محورية في نظام دولي يتشكّل.

2. موقف المشككين​

في المقابل، يرى عدد من المؤرخين الغربيين والعرب أن الحديث عن 'قوة عالمية' أو حتى 'قوة كبرى' يبالغ في تقدير إمكانيات المشروعَين. فمصر في القرن التاسع عشر كانت دولة زراعية بالكامل تقريبًا، تفتقر إلى طبقة وسطى صناعية مستقلة ولا تملك رأسمالًا محليًا قابلًا للاستثمار الحر. أما في عهد عبد الناصر، فقد أدت التأميمات المتعاقبة إلى نزيف رأسمال بشري مهني وخسارة قطاع خاص كان يمكن أن يكون محرّكًا للنمو.

كذلك يُشير هؤلاء إلى عامل الحجم: مصر في ذروة الناصرية لم يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي نسبةً ضئيلة مما كانت عليه الدول الغربية. وكانت موارد الدولة تُستنزف في صراعات إقليمية متعددة في آنٍ واحد: اليمن والسودان وفلسطين وليبيا، مما وزّع القدرة دون أن يُضاعفها.

3. دور القوى الكبرى في الإجهاض​

ثمة إجماع نسبي بين المؤرخين على أن القوى الكبرى لم تكن على استعداد للقبول بظهور دولة مصرية قادرة على الاستقلال الكامل في منطقة تعدّها ذات حيوية استراتيجية قصوى. وفيما يخص محمد علي، فقد وثّقت الأرشيفات البريطانية والفرنسية المفتوحة كيف أن الحكومتين كانتا تُتابعان تطور الجيش المصري بقلق متزايد، وكيف أن المندوبين الأوروبيين كانوا يُقيّمون بانتظام مدى القدرة على 'تلجيم' المشروع المصري.

وعلى مستوى الحرب الباردة، كشفت وثائق لاحقة (منها الوثائق البريطانية التي رُفعت عنها السرية في التسعينيات) أن عمليات المخابرات الغربية في المنطقة كانت تتضمن خيوطًا تمتد إلى داخل المؤسسات السياسية والعسكرية المصرية. ومع ذلك يُحذّر المؤرخون من المبالغة في نظرية المؤامرة، إذ كان في المشروعَين من الهشاشة الداخلية ما يكفي لإعاقتهما دون حاجة إلى مؤامرة خارجية منظّمة.

ثامناً: الرؤى النقدية — المؤيدون والمعارضون​

1. انتقادات محمد علي والردود عليها​

يوجّه المنتقدون لمحمد علي جملة من الاعتراضات الجوهرية: أولها أن مشروعه التحديثي كان في جوهره مشروعًا فوقيًا لم يُقِم وزنًا يُذكر لمصالح الفلاح المصري، بل استنزف موارده بالتجنيد الإجباري والضرائب الباهظة. وقد وثّق هذا الجانب بعمق خالد فهمي في كتابه 'كل رجال الباشا'، مشيرًا إلى أن التحديث كان يسير على أكتاف المصريين دون أن يعود عليهم بالمنفعة المباشرة. ثانيًا، يرى بعض المؤرخين أن عقلية محمد علي كانت في جوهرها عقلية فاتح لا مصلح، وأن اهتمامه بالتنمية كان وسيلة للقوة العسكرية لا غاية في حدّ ذاتها.

أما المدافعون عن مشروعه فيحتجّون بأن التحديث دومًا عملية مكلفة للأجيال الأولى، وأن ما أقامه محمد علي من مؤسسات تعليمية وصحية وصناعية كان يمتلك إمكانية التطور التراكمي لو أُتيح له الوقت الكافي. ويُشيرون كذلك إلى أن مشروعه وضع لأول مرة أسس هوية مصرية حديثة متمايزة عن الهوية العثمانية.

2. انتقادات عبد الناصر والردود عليها​

لعبد الناصر حصة أوفر من الانتقادات الموثّقة، وهي على عدة مستويات: سياسيًا، أسّس نظام حكم شموليًا قمع المعارضة وزجّ بالمعارضين في السجون. وقد أعاق هذا الاستبداد بناء مجتمع مدني قادر على النقد الذاتي والتصحيح. اقتصاديًا، أدى التأميم المتسرع والإفراط في التخطيط المركزي إلى بيروقراطية ثقيلة وإنتاجية منخفضة. ويُلاحظ المؤرخ رئيف خوري أن 'الاشتراكية الناصرية أنتجت دولة إنتاجية لكنها لم تُنتج مواطنًا منتجًا'. عسكريًا، أدى قرار التورط في اليمن (1962–1967) إلى إنهاك الجيش المصري قبل هزيمة يونيو مباشرة، في ما وصفه البعض بالفيتنام العربية.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن الناصرية أن إصلاح الأراضي الذي وزّع الملكية الزراعية على الفلاحين، ومجانية التعليم من الابتدائي حتى الجامعي، وشبكة المستشفيات العامة وبرامج التصنيع، مثّلت ثورة اجتماعية حقيقية لم يُستهان بأثرها في بناء رأس المال البشري المصري خلال الجيل اللاحق. كما يُشير هؤلاء إلى أن الهزيمة في 1967 كان لها أسبابها العسكرية والاستخباراتية المحددة التي لا تنسف المشروع برمّته.

3. تقييم المؤرخين المعاصرين​

يتّسم الأكاديميون المعاصرون في مجملهم بالنظرة التركيبية التي ترفض الإدانة المطلقة والتقديس المطلق معًا. فالمؤرخ خوان كوول أميامار يصنّف محمد علي ضمن نمط 'التحديث العنيف' الذي عرفته دول كثيرة، مشيرًا إلى أن الروسية البيترية والميجي اليابانية وبسمارك الألمانية اتسمت بقدر مماثل من القسوة والمركزية. أما عبد الناصر فيُصنّفه كثيرون في خانة ما يسميه روبرت ستيفنز 'الزعيم الشعبي المنقوص': يحمل رؤية تحريرية أصيلة لكنه يفتقر إلى الأدوات المؤسسية اللازمة لترجمتها.

خاتمة​

في نهاية رحلتنا عبر هذين المشروعَين المتوازيَين في الزمن والمتقاطعَين في الهموم والتحديات، يمكن الإجابة عن السؤال المحوري بصياغة دقيقة: نعم، كانت الفترتان تمثّلان فرصتَين تاريخيتَين استثنائيتَين لمصر لتعزيز دورها الإقليمي وبلوغ مكانة دولة وسطى كبرى مؤثرة، غير أنّ تقدير إمكانية التحوّل إلى قوة عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة (أي المنافسة على قيادة النظام الدولي) يبدو تضخيمًا لما كانت تُتيحه المعطيات الموضوعية لكلا العصرين.

فالقوة العالمية تستلزم قاعدة صناعية ضخمة، وتكنولوجيا متقدمة، ورأسمالًا وفيرًا، وسوقًا داخلية كبيرة، ومؤسسات سياسية راسخة، وهوامش داخلية للتصحيح الذاتي. وهي شروط لم تستوفها مصر في أيٍّ من الحقبتَين بالكامل. أما المكانة الإقليمية الكبرى وقيادة منظومة عربية-أفريقية فاعلة، فهو هدف كان في متناول مصر بالفعل، وكاد يتحقق في مرحلة ناصرية لولا جملة من العوامل الداخلية والخارجية المتضافرة.

ولعلّ الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه هو أن إخفاق المشروعَين لم يكن محض قضاء وقدر أو مؤامرة خارجية منظّمة، وإن أسهمت القوى الكبرى بصورة موثّقة في تحجيم كليهما. بل كان الإخفاق ثمرة معادلة مركّبة ضمّت: تناقضات داخلية بنيوية (انعدام المأسسة السياسية، وضعف الطبقة الوسطى المنتجة، والاستبداد الذي قتل المبادرة)، وضغطًا خارجيًا منظّمًا من قوى لم تكن معنية بظهور دولة مصرية مستقلة تحدّ من نفوذها في منطقة ذات حيوية جيوسياسية لا نظير لها.

وتبقى الخلاصة التي يُكرّسها التاريخ المقارن: أن النهضة الحقيقية والمستدامة لا تُبنى على عبقرية الفرد وحده، مهما بلغت، بل على مؤسسات تتجاوزه وتصحّح أخطاءه وتواصل مشروعه حتى بعد رحيله. وهذا تحديدًا ما افتقده محمد علي وعبد الناصر معًا، وما يجعل السؤال عن مصير مشروعيهما سؤالًا حيًّا يتردد صداه في راهن مصر وعالمها العربي حتى اليوم.
 

الذين يشاهدون الموضوع الآن